مركز المعلوماتية القانونية
صفحة الاستقبال |
للاتصال |
العلاقات الدولية |
إحفظنا |
بريد إلكتروني
ع
|En
|Fr





  وقائع المؤتمر السنوي الأول:صلاحيات رئيس الجمهورية بين النص الدستوري والممارسة السياسية

الفصل السابع:
صلاحيات رئيس الجمهورية بين النص الدستوري والممارسة السياسية
وفق آراء المشاركين في المؤتمر

إعداد: العميد د. كميل حبيب د. عصام إسماعيل


إن صلاحيات رئيس الجمهورية، لا يمكن فقهها من خلال مراجعة النص الدستوري فقط، ويرجع السبب في ذلك إلى أن النصوص الدستورية لا تطبَّق بشكلٍ جامد، إذ في بعض الأحيان قد يسعى المؤتمنون على تطبيق الدستور إلى التحلل منه أو الخروج عليه، ولذلك انتشرت ظاهرة الاختلاف ما بين النظام السياسي المطبَّق فعلياً والنص الدستوري المكتوب. وتماشياً وهذا المنطق، اتجهت غالبية المداخلات في المؤتمر نحو مقاربة صلاحيات رئيس الجمهورية في لبنان ليس فقط من خلال قراءة النص الدستوري، وإنما من خلال معرفة كيفية تطبيق هذا النص.

إن انتشار ظاهرة الدولة على المستوى العالمي، لا يعني أنَّ أشكالها متطابقة، فإذا اعتمدنا الزاوية التاريخيَّة اكتشفنا فروقات تجعل مختلف الدول قابلة للتصنيف، إلا أنَّ العمل يتعثَّر عندما نحاول إيجاد أساس علمي لهذا التصنيف، وذلك لا يعني أنَّ العلوم السياسيَّة تفتقر للتصنيفات، إلا أنَّ هذه الوفرة النسبيَّة لا تفيد بشيء إذ يفاجأ قرَّاء القانون الدستوري بأنَّنا غالباً ما نعود إلى أرسطو؛ من هنا ينبغي البحث في مكان آخر عن أساس التصنيف لنماذج وأشكال السلطة. إنَّ مسألة تصنيف النظام الدستوري اللبناني تتطلَّب التدقيق بالممارسة اليوميَّة كمنهج مرتبط بصياغة رؤية قابلة للتطبيق؛ والتصنيف، كمضمون هو المدخل لدراسة إشكاليَّات يعاني منها النظام اللبناني، حيث يندرج من ضمنها، "إشكاليَّة المساواة في الائتلافيَّة"، لكي لا تطغى مجموعة طائفيَّة على مجموعة طائفيَّة أخرى، "وإشكاليَّة فصل السلطات"، لكي تبقى عمليَّة التوازن بين السلطة الإجرائيَّة والسلطة التشريعيَّة قائمة وهي صفة من صفات النظام البرلماني؛ وتبقى إشكاليَّة أخرى وهي "إشكاليَّة ديناميَّة التغيير"، حيث ضرورة العمل على صياغة نظام سياسي يأخذ في الاعتبار البنية المجتمعيَّة اللبنانيَّة المركَّبة، دون أن تلغى مفاهيم الديمقراطيَّة وتمكين الشعب من ممارسة سيادته، من خلال الاعتراف بحقِّه في المشاركة السياسيَّة عبر تمكين قواه المتفاعلة من أن تحقِّق طموحاتها بالوسائل الديمقراطيَّة تلك التي لا تتَّفق بالضرورة مع المسألة الطائفيَّة.


وبالفعل لم تكن الحياة السياسية والدستورية في لبنان، ترجمة صادقة لأحكام الدستور كما يقتضي أن تكون، بل اتجهت الحياة السياسية والدستورية، اتجاهات ومسارات أخرجت الدستور، بما هو نظام حياة وخارطة طريق، عن مساره الطبيعي والصحيح، ونقضت أحكامه، وابتعدت عن كل ما يجعل الدولة دولة قانون ومؤسسات.

وكانت العلاقة بين النّص الدستوري والممارسة السياسية علاقة جدلية، يتوقف عليها اداء المؤسسات الدستورية ومصير النظام السياسي. فالنّص الدستوري يحدد المبادئ والقواعد والآليات التي تحكم الممارسة السياسية، في إطار المؤسسات الدستورية، ومن المفترض ان يقود النّص الى ممارسة سياسية، ينتظم معها اداء المؤسسات الدستورية. أما الممارسة السياسية، وهي لا تقل أهمّية عن النّص الدستوري، فينبغي ان تنضبط بالنّص، لأن الممارسة السياسية اذا ما خرجت عن النّص، يضطرب اداء المؤسسات الدستورية( ). فالهدف من اعتماد نظام سياسي ما، هو ايجاد استقرار دائم، ويتحقق ذلك عندما يتلائم هذا النظام مع بنية المجتمع في وصف واقعيّ وتصويريّ بحت. لذلك تلجأ الأنظمة الدستورية الى اعتماد ضوابط للّعبة السياسية، غير أن فاعلية هذه الضوابط تبقى موضعَ جدلٍ نظراً لتعقيدات الواقع السياسي، التي تقود الى تعديل النّص او تغييره بما يؤدّي الى تطوير اداء المؤسسات، او الى تطويع النّص لصالح الممارسة المتفلّتة من الضوابط الدستورية، لجعل النّص منسجماً مع الممارسة.

ولقد حاول المشاركون في المؤتمر مقاربة هذه العلاقة ومحاولة وضع إطار عام لصلاحيات رئيس الجمهورية، مقاربةٌ تفيد بلا شك، في ضبط الأداء السياسي عند تطبيق النص الدستوري وبيان مكامن الخلل، وطرق الإصلاح المتاحة. وهي مقاربات سنحاول تأطيرها من خلال منهجية تلخيص المعلومة واقتباس المعلومة، وأسلوب التحليل البنيوي على أساس الواقع الجديد الذي أقرّته وثيقة الوفاق الوطني، على أن نقسّم هذا التلخيص وفق العناوين الآتية:

أولاً: أثر النظام السياسي على صلاحيات رئيس الجمهورية

ثانياً: المهمات الكبرى لرئيس الجمهورية

ثالثاً رئيس الجمهورية بعد الطائف: حَكَم وشريك

رابعاً: دور رئيس الجمهورية في أداء المؤسسات الدستورية

خامساً: معوقات ممارسة الصلاحيات الرئاسية


أولاً: أثر النظام السياسي على صلاحيات رئيس الجمهورية

لبنان جمهورية ديموقراطية برلمانية، والشعب هو مصدر السلطات وصاحب السيادة (الفقرتين ج ود من مقدّمة الدستور) ، وهو يمارس هذه السلطات وهذه السيادة عبر المؤسسسات الدستورية، إن الخاصيات التي نعرفها في الديموقراطيات نجدها بشكل عام في دستورنا، الا أن ميزة هذا الدستور تبرز من منطلقين أساسيين :

 أولاً: أنه منذ العام 1990 أي بعد التعديلات الدستورية ، هو دستور ردة الفعل بامتياز، في حين أن الدستور هو قبل كل شيء فعل ايمان مشترك بوطن وبنظام وعمل السلطات .

 ثانياً: أن نظامنا من ضمن ما سمي بالديموقراطية البرلمانية يعيش منذ العام 1926 مرحلة انتقالية بامتياز.

فكيف نجمع ردة الفعل والانتقال معا في نظام سياسي واحد بعد ما يقارب المئة عام، وهو في مرحلة انتقالية لأنه يعطي الطوائف الحصة الوازنة، لا بل قد تكون الوحيدة. هذه هي المرحلة الانتقالية التي نص عليها الدستور وترسخت في العام 1990، بحيث أضحى نظامنا شبيها بما نسميه كونفدرالية الطوائف .


حتى لو سلمنا جدلاً بان النظام الدستوري اللبناني كان يرتكز على دستور 1926، وهذا غير صحيح علميّاً باعتبار أنه كان للنظام ركيزة ثانية هي الصيغة الطائفية التي تعود لنظام القائمقاميتين، والتي كرسها الرئيس إميل إده عام 1936 بتوقيع رئيس الوزراء المسلم على أعمال رئيس الجمهورية، فإننا نستطيع القول أنه وفقاً للدستور اللبناني فإن البرلمانية كانت في لبنان متميزة عن المبادىء المعروفة للنظام البرلماني( )، وبدا النظام اللبناني وكأنه يستورد الأزمات تلو الأزمات، وتواكبه أعراف تتبدل مزاجياً في ضوء الظروف ويتداخل فيه النص التأسيسي ( أي الدستور ) مع الميثاق ومع الوثيقة، فتصبح الوثيقة في جزء منها دستوراً وفي جزء آخر " تعهدات وطنية "، وعلى حد تعبير العلامة الراحل ادمون رباط:" إنه نظام يلتبس على الجميع".


1- صعوبة تصنيف النظام اللبناني

لبنان جمهورية ديمقراطية برلمانية، (مقدمة الدستور، فقرة ج)، الشعب فيها هو مصدر السلطات وصاحب السيادة يمارسها عبر المؤسسات الدستورية (مقدمة الدستور، فقرة د)، إلى هنا وينتهي نص مقدمة الدستور، أو القواعد العامة فيما يتعلق بتوصيف النظام في لبنان، ومنها يظهر واضحاً أن النظام برلماني ديموقراطي والشعب فيه مصدر السلطات، إن التعديل الذي أدخل على الدستور بموجب اتفاق الطائف قد أزال الإلتباس الذي كان حاصلا على المستوى القانوني فيما يتعلق بانحراف النظام اللبناني نحو النظام الرئاسي.

فلقد تحول النظام السياسي اللبناني، من نظام برلماني اورلياني الى نظام برلماني شبه كلاسيكي خاصة وان السلطة الاجرائية التي كان يمارسها رئيس الجمهورية سنداً للمادة 17 من الدستور بمعاونة الوزراء، تحولت بعد تعديل هذه المادة الى مجلس الوزراء مجتمعاً وليس الى رئيسه.

وقد أجمع رجال القانون والسياسة على أنّ تعديلات الطائف غيّرت طبيعة النظام اللبناني، لكنهم لم يُجمعوا على طبيعة هذا النظام، إذ استمر خلافهم السابق حول طبيعة النظام الجديد. فالطبيعة الجديدة لنظامنا السياسي ليست واضحة( ). فعمدوا إلى تصنيف لبنان ضمن الجمهوريات القلقة، أو غير المستقرة، موصفِّاً البعض هذا النظام بالديموقراطي الأوليغارشي ، الذي يعني حكم القلة، أي حكم مجموعة ضيقة تنجح في البقاء في السلطة مهما تكن المنعطفات الإيديولوجية، والبعض الآخر يشبه النظام اللبناني بالبوليارشية، وتعني ديموقراطية الجماعات، التي لا مكان فيها للمواطن بحد ذاته، وهذه الجماعات هي جماعات طائفية-إقطاعية- مافيوية في لبنان بطبيعة الحال، كما أن هناك من يرى في النظام اللبناني نظاماً فوضوياً أو هو يعني بذلك غياب الدولة، وربما هو يستنتج ذلك من غياب دور المؤسسات الرقابية، ونفوذ زعماء الطوائف وميليشوية الزعماء السياسيين.

إنَّ بنية النظام السياسي في لبنان لم تجعل من العمليَّة السياسيَّة تدخل الإطار المدني، المرتكز على أسس تقوم على التوازنات السياسيَّة الهادفة إلى التنافس وفق مشاريع، تتَّفق عليها أو تعارضها القوى السياسيَّة، ضمن مفهوم الدولة الجامعة، إنَّما هي أسيرة توازنات لا تلبث أن ترتدي الرداء الطائفي، الذي يغلِّب مصلحة الطائفة على حساب مصلحة الدولة، والذي لا يعكس بالضرورة الطروحات السياسيَّة التي ترجِّح طرحاً على آخر وفق معايير الديمقراطيَّة التنافسيَّة، إنَّما بالفعل يقبع على النظام ويكبِّل الإرادة السياسيَّة التي تحاول التفلُّت من بنيته اللاديمقراطيَّة.إنَّ الرهان على النص الدستوري كضامن للتوازنات المجتمعيَّة، التي أصبحت في بنية التوازنات السياسيَّة، قد لا يكون مجدياً وقد لا يتَّفق مع بنية الدَّولة الحديثة المتفاعلة باتِّجاه التواصل القائم على المصالح، في أغلب الأحيان، وليس بالضرورة تلك القوى المتشكِّلة من بنى طائفيَّة، "ذلك أنَّ النص لا يضمن ذاته، وضمانته في الفعاليَّة تكمن غالباً خارج النص، في بنية السلطة وتوازن القوى في المجتمع والثقافة السياسيَّة السائدة والقضاء المستقل واستقلاليَّة القرار الداخلي".


عزى فريق من المحللين، صعوبة توصيف النظام اللبناني إلى تركيبة المجتمع اللبناني المؤلفة من أقليات متقاربة في العدد على مستوى أكبرها، وأيضا على مستوى أصغرها، وتصارعها على السلطة، ومنهم من رأى في ارتباط الطوائف اللبنانية بولاءات إقليمية ودولية لحماية نفسها سبباً لعدم اتضاح معالم النظام، ومنهم من رأى أن النظام الإنتخابي المعتمد هو وراء كل الفوضى القائمة ووراء إيصال نفس الأشخاص بصورة دائمة إلى مجلس النواب، وبالتالي فإن النظام في الدولة يصاغ على قياس مصالحهم.


2- النظام اللبناني نظام طائفي

أدى تكريس الطائفية في الدستور والقوانين اللبنانية إلى نتائج ملتبسة وتناقضات على مستوى المبادئ العامة والقواعد التي تحكم اللبنانيين، وذلك من خلال تمتين الوضعية الطائفية في لبنان على صعيد التشريع والتطبيق، بما شكّل منافسة وتهميشاً جدياً لشخصية الدولة وصلاحياتها المتعارف عليها في القانون( )، فإذا كان النظام اللبناني برلماني يكرس مبدأ الفصل بين السلطات وتوازنها وتعاونها، لكن يرتبط نجاحه بالمحافظة على التوازن الطائفي في السلطة ( ). فشكلت الطائفية السياسية في لبنان وسيلة للإقطاع السياسي لضمان الحفاظ على مصالحه وإمتيازاته، كما شكلت عائقاً كبيراً في العمل على قيام دولة القانون والمؤسسات. إن إستمرار الطائفية السياسية يعود إلى العقلية السياسية التي كانت سائده وما تزال عند الحكام هي التي رأت في إستمرار النظام الطائفي داعماً أساسياً لإستمرار هيمنتهم على الدولة حماية لمصالحهم بحجة تمثيلهم للطوائف .

فأصبحت الدولة محكومةً من قبل مجموعة من الأقطاب الذين ينتمون إلى طوائف وملل مختلفة، ينطقون باسم جماعات، وليس باسم الوطن، ويسخرون الوطن والمواطنين للعبة المصالح، متواطئين مع رأس المال، ومع وسائل إعلام تخصهم، ومع المراجع الدينية التي تغطيهم ويغطونها، محوّلين أي أمر معيشي أو مطلبي أو سياسي إلى طائفي، مختبئين وراء مبدأ "التوافقية"، أو "صيغة العيش المشترك"، وخوف الوقوع في الفتنة، مبقين على الوطن والمواطن رهينة لمصالحهم الذاتية، حائلين بذلك دون قيام الدولة الحديثة في لبنان( ). فكانت وما زالت كل طائفة تقوّم وثيقة الوفاق الوطني انطلاقا مما يعطيها من مكاسب مقابل الطوائف الاخرى، ذلك ان هذا الاتفاق منذ ولادته كان مبنيا على نوع من "توازن اللارضى" بين هذه الطوائف بمعنى انه ليس بين الفئات اللبنانية من كان راضيا عن نصيبه من المعادلة او مكتفيا به. وبالرغم من انه لم ينص على التوزيع الطائفي المتعارف عليه للرئاسات الثلاث، فلقد اعتبرت الصلاحيات الممنوحة لكل من رئيس الجمهورية ورئيس المجلس النيابي ورئيس الحكومة وكأنها معطاة بالتراتب للطائفة المارونية والطائفة الشيعية والطائفة السنية. وهذا ما أدى الى تتابع الازمات الرئاسية خصوصاً عند الاستحقاقات الدستورية واستمرار التصارع الطائفي طالما ان كل فئة طائفية تحاول تعزيز موقعها على حساب المواقع الأخرى.

ما يجب بحثه وتبيانه في روحيَّة الميثاق الوطني (الطائف) أنَّ المؤسَّسات الدستوريَّة (مؤسَّسة رئاسة الجمهوريَّة، مؤسَّسة مجلس النوَّاب، مؤسَّسة مجلس الوزراء) ليست مؤسَّسات طائفيَّة، كما شوَّهتها الممارسة، إنَّما هي مؤسَّسات جامعة للإرادة الوطنيَّة ومحقِّقة للصالح العام، وإنَّ انحراف العمليَّة السياسيَّة في لبنان، بعد اتِّفاق الطائف، باتِّجاه إظهار الرئاسات الثلاث وكأنَّها رئاسات طائفيَّة تختزل عمل المؤسَّسات الدستوريَّة، هو تشويه للدستور، جنحت الممارسة السياسيَّة، من خلاله، عن روحيَّة الميثاق الوطني التي أقامت المؤسَّسات السياسيَّة الجامعة تحقيقاً للوحدة الوطنيَّة، وفي الواقع، فإنَّ رئاسة الجمهوريَّة ليست رئاسة مارونيَّة، ممثِّلة للطائفة المارونيَّة، إنَّما هي مؤسَّسة لها صلاحيَّات، ينبغي تبيانها، لكي تستطيع أن تفصل في القضايا الخلافيَّة تحقيقاً لوحدة الوطن، بغية المحافظة على استقلال لبنان ووحدة وسلامة أراضيه؛ كما وأنَّ رئاسة المجلس النيابي ليست رئاسة شيعيَّة ممثِّلة للطائفة الشيعيَّة، إنَّما هي رئاسة تمثِّل توازنات المجلس النيابي بتوجُّهاته وتناقضاته وآرائه المختلفة؛ وهكذا هي رئاسة مجلس الوزراء، هي رئاسة للسلطة التنفيذيَّة التي تمثِّل التوازنات الوطنيَّة الطائفيَّة والسياسيَّة؛ رئيس مجلس الوزراء ليس رئيساً للطائفة السنِّيَّة إنَّما هو رئيس لمجلس الوزراء الضامن لإرادة العيش المشترك.

لهذا كان أبرز الإصلاحات المطالب بها للخروج من هذه الواقع، هو إقرار وجوب إلغاء الطائفية السياسية في العام 1990، لكن حتى تاريخه لم يصر إلى تنفيذ البنود المتعلقة بإلغاء النظام الطائفي، وهذا ما جعل من المرحلة الإنتقالية مرحلة دائمة، وهو ما يناقض مصلحة الوطن واستقراره، كما يمثل انتهاكاً للقاعدة التي تجعل من إلغاء الطائفية السياسية هدفاً وطنياً.


يمكن القول، أن الطائفية هي علّة لبنان، في مجتمعه ونظامه السياسي. كما هي نقيض الديمقراطية والمواطنية وما تحملان من قيم الحرية والعدالة والمساواة. لقد حوّلت الطائفية مؤسسات الحكم في الدولة إلى محميات طائفية. ولا خلاص لنا إلا بحلّ هذه المسألة المعقّدة والشائكة. فنحن نؤمن بضرورة الخروج من الأزمة الطائفية والانطلاق نحو تجاوز النظام الطائفي إلى صيغة ديمقراطية متطورة تنقل لبنان من دولة الطوائف إلى دولة المؤسسات.

وأمام الاعتراف بصعوبة المشكلة وتعقيداتها إلا أنه يجب الإقدام على خطوات جريئة قد تكون مطلوبة من بعض اللبنانيين وعدم الوقوف مكتوفي الأيدي أمام المصاعب. وما نسعى إليه من خلال هذه المداخلة هو بلوغ الجمهورية الثالثة اللاطائفية أي دولة إلغاء الطائفية السياسية( ). فالديمقراطية العلمانية تفترض تفعيل آليات المحاسبة والمساءلة المعدومة حالياً بسبب الحالة الطائفية. وعندها يصبح جميع المسؤولين خاضعين للمحاسبة والمساءلة وعلى رأسهم رئيس الجمهورية عندما يخطىء في ممارسة صلاحياته الدستورية او يتلكأ في ممارستها، فالعلمانية الديمقراطية وحدها تكفل حماية المؤسسات الدستورية من ضغوطات وتأثيرات المرجعيات الاقليمية والدولية.

ومن هنا، فإن تسوية الوضعية القانونية للكيان اللبناني عن طريق منحه نظاماً مدنياً يضع حداً للنظام الطائفي، ويقيم المواطنية على قاعدة العدالة والمساواة لكل أفراد الشعب، مما يؤدي إلى الحد من تأثير الطوائف ويجنب لبنان محنٍ جديدة، كما أن وضع أسس محاسبة ومساءلة الحكام، سيكرس شخصية الدولة قانونياً، ويرسم حدود السلطة ومسؤولية الحكام .


3- مراعاة ضوابط العيش المشترك

العيش المشترك هو تعبير عن ارادة وطنية جامعة، تقوم على اقتناع اللبنانيين بأن عيشهم المشترك يعود عليهم بالخير جميعاً. فلقد قامت الدولة على أساس هذا الميثاق، ونشأ نظامها وتطور في إطار التوفيق بين المبادئ المعتمدة في الأنظمة البرلمانية من جهة، ومقتضيات العيش المشترك من جهة أخرى. غير ان العيش المشترك والمشاركة الطوائفية في السلطة لا يشكلان هدفاً بذاته، انما وسيلة لبناء دولة، ترسخ وحدتها وتوفر الأمن والاستقرار وشروط العيش الكريم لأبنائها، على شتى انتماءاتهم الطائفية والمذهبية والفئوية.

ولهذا كان دور الدولة في مجتمع تعددي يفوق بكثيرٍ دورها في المجتمعات المتجانسة. فالدولة في المجتمعات التعددية، انما هي كيان حاضن للمجتمع التعددي، هدفه الأساسي الحفاظ على وحدته وترسيخها، فتقوية الانتماء الوطني وتقدمه على ما عداه من انتماءات شرط أساسي لترسيخ وحدة المجتمع التعددي، وتعزيز وجود الدولة الحاضنة له، وإشعار المواطنين بأن الدولة ترعى شؤونهم وتوفر لهم شروط العيش الكريم، ليقوى انتماؤهم اليها وتترسخ وحدة المجتمع من خلال الدولة. فالمشاركة الطوائفية في السلطة هي مشاركة في بناء دولة تلبي طموحات أبنائها في عيشهم المشترك، وليس تشارك في تقاسم المغانم والنفوذ، يدفع إلى تقوية الانتماء الطائفي على حساب الانتماء الوطني .

لقد بيّنت التجربة اللبنانية أن المؤسسات الدستورية تعاني من تعثر، نتيجة الممارسات السياسية المتفلتة من الضوابط، وخروج المشاركة الطوائفية عن مسارها الصحيح. فالصراع على السلطة، خارج الضوابط التي نص عليها الدستور والروحية التي انطوى عليها، وعدم أخذ المصلحة العامة وشؤون المواطنين بالاعتبار، أوصل الدولة الى ما هي عليه. فكيف يستطيع من هو على رأس الدولة ان يقوم بالمسؤوليات التي حمّله اياها الدستور، في دولةٍ تتنازعها قوى سياسية متفلته من الدستور والقوانين، والفساد تمأسس فيها وغدا أقوى منها.

ولهذا فإن ضعف موقع الرئاسة يعرقل المسار الدستوري في لبنان، وإذا كان "لا شرعية لأي سلطة تناقض ميثاق العيش المشترك"، فايضاً لا شرعية لسلطة رئيس تناقض ميثاق العيش المشترك... كإختيار او تعيين رئيس حيادي دون اخذ رأي الأكثرية المسيحية . وكذلك عند مخالفة الفقرة "ي" من مقدمة الدستور التي تنص على انه " لا شرعية لأي سلطة تناقض ميثاق العيش المشترك"، فلا يوجد في الدستور أي آلية نصّ يبيّن كيف يواجه رئيس الدولة هذه المشكلة.

4- تطبيق قاعدة التوافقية

التوافق او الصيغة التوافقية لا بديل عنها لمؤسسات الحكم والنظام السياسي في لبنان، والا كان البديل، المقاطعة بين مكوناته السياسية منها، والحزبية، وكذلك الطائفية والمذهبية، والتي لا تنتج الا الفراغ وشل عمل المؤسسات السياسية والدستورية، وهذا ما اكدت عليه الفقرة "ي" من مقدمة الدستور اللبناني التي نصت على أن " لا شرعية لأي صيغة تناقض ميثاق العيش المشترك" التي ولدت مع الميثاق الوطني في العام 1943، وتكرست في الفقرة "ي" من مقدمة الدستور. فصيغة العيش المشترك التي اثبتت انها اقوى وافعل من كل النصوص الدستورية، لا تقوم الا على الحوار والتفاهم بين كافة المكونات اللبنانية ، لانه وفي كل مرة كان يقع المحظور والخطر على الكيان، كان السبيل الوحيد للخروج منه هو الحوار، فقط الحوار في لبنان يشكل الحل، وهذا ما تؤكده التجربة السياسية اللبنانية منذ قيام الجمهورية، فميثاق 1943 لم يكن إلا نتيجة حوار بين الزعيمين رياض الصلح وبشاره الخوري، وكذلك فإن الحرب الأهلية التي بدأت في العام 1975 قد انتهت باتفاق الطائف الذي كان نتيجة لحوار بين اللبنانين خارج لبنان؟ كذلك اتفاق الدوحة الذي انتج انتخابات رئاسة الجمهورية وابعد شبح الفراغ، لم يكن نتيجة إلا حوار اللبنانين خارج لبنان؟ وقبلهما حوارات جنيف ولوزان في عهد الرئيس أمين الجميل، كلها حوارات كانت خارج الوطن، الا يستحق هذا الوطن واهله حوار بين ساسته على ارضه؟ ام انهم ينتظرون دعوتهم الى بلد آخر ليرتضوا بالحوار؟ .


لقد آن الاوان كي يتفق قادة الرأي في لبنان على ان مصلحة لبنان يجب ان تعلو فوق اية مصلحة اخرى وان يسعوا بروح مسؤولة ومن خلال الحوار الهادئ والمتوازن الى تأمين الوفاق الوطني الصحيح لان الوفاق الحقيقي لا يكون ولا يجب ان يكون في التوافق على أخطاء وعلى خطايا باسم الوفاق( )." فهذه التوافقية"، التي ألبست لباساً طائفياً بطبيعة الحال، تماشياً مع النسق الكلي للنظام، وبدل أن يجري التوافق بين مختلف الفئات حول المشاريع العامة التي يستفيد منها الوطن والمواطنون، يتم استغلال القاعدة لتوافقات من قبل الزعماء السياسيين الناطقين غالبا باسم الطوائف لا باسم المواطنين، مضيفين في ذلك إلى النظام اللبناني صفة الإقطاع السياسي المستحكم.


5- أثر ظاهرة الترويكا على النظام السياسي

كان اتجاه التعديلات الدستورية لعام 1990 واضحا لجهة تغليب الانتقال من دولة الرؤساء إلى دولة المؤسسات ومواءمة المسؤولية للصلاحية، أي بجعل مجلس الوزراء مركز قرار السلطة الاجرائية، وإرساء مبدأ الفصل والتوازن والتعاون بين السلطات، وإعادة "إجلاس النظام البرلماني على قاعدته بعدما كان مقلوبا على رأسه". إلا أن الواقع لم يؤد إلى إقامة توازن جديد في مجلس الوزراء بين الطوائف التي تشترك في رسم سياسة الحكم والاستفادة من مغانمه، بل أدى إلى حصر عملية اتخاذ القرار بالرؤساء الثلاثة أي ما يعرف باسم"الترويكا"، وبذلك تحول الحكم من حكم الرأس الواحد المهيمن على مقدرات الدولة الى حكم الرؤوس الثلاثة المتساوية.

ولقد تأثر النظام السياسي بصورة سلبية من جراء ممارسة الترويكا بحيث تعارضت ممارستها مع مبدأ الفصل والتوازن بين السلطات، وتبعاً لوجود الترويكا ولتقليص دور رئيس الجمهورية في الدستور، ظهر تراجع موقع رئاسة الجمهورية كمرجعية دستورية أساسية يتم اللجوء اليها لتجاوز الازمات التي تعترض اداء المؤسسات الدستورية.

لقد تعرَّض النظام لتشويه بنيوي فرضته التوازنات السياسيَّة المتأثِّرة بالتدخلات الخارجيَّة، فكان الاستعمال المفرط لمصطلح "الرئاسات الثلاث وممارسة الترويكا، حيث بات مفهوم تقاسم قالب الحلوى (المحاصصة) مناقضاً للمشاركة ويحد منها"، فالدستور ينص على أنَّه هناك "رئيس للدَّولة وليس رئاسات ثلاث، وأنَّ "رئاسة الجمهوريَّة مؤسَّسة"، وبالتالي فإنَّ "رئيس الجمهوريَّة إذا دخل عضواً في الترويكا أصبح داخلاً في لعبة سياسيَّة ضيِّقة، ذلك أنَّ المشاركة تتحقَّق في مجلس النوَّاب وفي مجلس الوزراء، وهما قطبان دائمان للحوار"، كذلك فإنَّه "لا تتم المشاركة من خلال الرئاسات، لأنَّ المشاركة على مستوى الرئاسات تنسف مبدأ فصل السلطات"، ولقد شكَّلت الترويكا انحرافاً مخالفاً لروحيَّة الطائف، وفق ما نجم عن تطبيق منحرف "للرئاسات العليا"، المخالف لدورها القائم على حماية المؤسَّسات.

مع التذكير بأن وثيقة الوفاق الوطني لا تقرّ بمنطق التحاصص بين الرئاسات الثلاث، إنَّما تحدِّد الأطر المؤسَّساتيَّة التي تتفاعل من خلال القوى السياسيَّة لتأمين المصلحة العامَّة، ولا تجيز بأيِّ حال الانحراف عن منطق الدولة الراعية لجميع المواطنين، لتتحوَّل تحاصصاً بين أصحاب النفوذ والسلطة، إنَّما العمل على تحقيق التوازن السياسي الضامن للمشاركة وفق تحديد الخيارات السياسيَّة التي تحققها العمليَّة الديمقراطيَّة، وهو بذلك تنصِّب رئيساً فائق الصلاحيَّات بصفته حارساً لمبدأ الشرعيَّة( )، بل إنَّ تطبيقاً مشوَّهاً جعل من النظام السياسي ينحرف عن المسار الذي كان مرسوماً له، ذلك أنَّ اللاعبين السياسيِّين الذين كانوا يسيطرون على العمليَّة السياسيَّة لم يطبِّقوا الدستور وفق ما تحدَّد في النص، الأمر الذي يذكِّرنا بما قاله العلامة الدستوري دوغي: "ليس للقانون الدستوري أي ضابط سوى حسن نيَّة وصدق الرجال الذين يطبِّقونه".

ونختم هذه الفقرة بالقول، بأن في لبنان دولة لم تُبنَ بعد بالمعنى الدستوري للكلمة، ونظام لم ترسم خطوطه بوضوح، ووطن لا يزال يعيش في مرحلة انتقالية منذ انشاء الدولة، فيه كثير من التحاصص والفساد والتسلط ونهب المال العام والفوضى، وقليل من حسن التدبير والعدالة والمساواة والإنصاف والإكتفاء الذاتي والسيادة.


ثانياً: المهمات الكبرى لرئيس الجمهورية

يتكون الشعب اللبناني من طوائف مختلفة ومتنافسة، تتحكم فيها موازين قوى داخلية وخارجية، وتقوم العلاقات بين أطرافها على حساسيات دقيقة ومفرطة وتوازنات معقدة، فلا بد من وجود مرجعية للنظام، موثوقة ومنزهة عن الصراعات السياسية، وتتمتع بالتجرد والترفع لضبط إيقاع عمل الدولة، لكي تحول، إلى حد ما، دون إمكانية التدخل الخارجي في الصراعات الداخلية وتلعب دور صمام الأمان لحل مشاكل الداخل، فجاء الدستور ليعطي رئيس الجمهورية هذا الموقع وليقوم بدور الحكم بين المتصارعين. وبالفعل، فقد نصت المادة /49/ من الدستور على أن رئيس الجمهورية هو رئيس الدولة ورمز وحدة الوطن، يسهر على احترام الدستور والمحافظة على استقلال لبنان ووحدته وسلامة أراضيه وفقاً لأحكام الدستور.

فلقد وضع الدستور رئيس الجمهورية في المكانة والموقع السامي الذي يستحق، وضعه في قمة هرم البنيان الدستوري، وعلى مسافة من كل السلطات، ورسم له دوره وحدده في إطار السهر على احترام الدستور، وبما يحفظ استمرار وانتظام عمل السلطات والمؤسسات الدستورية بتعاون وتناغم كاملين. كما أناط به الحفاظ على استقلال لبنان ووحدته وسلامة أراضيه. وهذا يعني أن الدستور قد أوكل إليه الاهتمام بالقضايا الوطنية الكبرى، والتي من شأنها أن تؤمن للوطن ديمومته واستمراريته، وللكيان سلامته ومنعته، وللشعب وحدته وتضامنه، وللبنان استقلاله وسيادته، أي حرية قراره الوطني وسلطة الدولة الكاملة على إقليمها وعلى المتواجدين على أرضهاوعندما نص الدستور في المادة 49 على ان "رئيس الجمهورية هو رئيس الدولة ورمز وحدة الوطن يسهر على احترام الدستور والمحافظة على استقلال لبنان ووحدته وسلامة أراضيه وفقاً لأحكام الدستور"، افترض المشترع ان المؤسسات الدستورية، وتحديداً مجلسي النواب والوزراء، يعملان بشكل منتظم ومنضبط بما نص عليه الدستور. بحيث بدت غاية هذه الرئاسة محددة بأربعة أمور أساسية: السهر على إحترام الدستور، المحافظة على إستقلال لبنان، ووحدته، وسلامة أراضيه، يعمل على تحقيق ذلك وفقاً لأحكام الدستور بمنحه صلاحيات محددة فصّلها الدستور منعاً لكل إلتباس..


1- رئيس الجمهورية هو رئيس الدولة

بموجب الدستور، يرمز رئيس الجمهورية إلى وحدة الدولة، وله مهمة أساسية في حماية الدستور، والإستقلال والسيادة الوطنية. يتبيّن أن وظيفة رئيس الجمهورية الجديدة بعد التعديلات التي أُدخلت على المادة 49 من الدستور هي في اعتباره الحامي والحارس الأول لمبدأ الشرعية الدستورية والقانونية. إنها وظيفة عظمى، ورئاسة غير فخرية، تتخطى في آن: دوره التحكيمي واعتباره كحَكَم للجميع، والصلاحيات الصغيرة لأنها الأساس الشرعي للصلاحيات وممارستها. يعني ذلك أن صلاحية رئيس الجمهورية هي فوق الصلاحيات وتنازعها وتقاسمها، بل هي بعينها القيادة المعنوية للبلد. إن الصلاحيات الرئاسية لرئاسة الجمهورية تمليها ضرورة توفر رأس للسلطة، لا من منطلق تفوق طائفة على أخرى أو الأقدمية التاريخية، بل من منطلقات أخرى تفرضها مقتضيات السلطة.

وبذلك أصبح رئيس الجمهورية رئيسا للدولة بارضها وشعبها ومؤسساتها لا رئيسا للسلطة الاجرائية. وبسبب هذه الشمولية في الدور أصبح رئيس الجمهورية رمزا لوحدة الوطن وحكماً بين البرلمان والحكومة. إن هذه الصفات تضفي على مهامه، لأنه وحده يقسم اليمين الدستورية، صفة المرجعية الحصرية لكافة مؤسسات الدولة.

مع المادة 49 الجديدة، فإن الرئيس الجديد لا ينتزع صلاحيات من أي أقلية ولا يسمح بانتزاعها من أحد، بل هو الضامن والحامي لممارستها. وهي وظيفة خصَّ بها الدستور رئيس الجمهورية واستثنى سائر السلطات الحكومية من تأدية القسم الدستوري.


في بعض مراحل اشتداد صراعات الفتنة تساءل البعض: أين دور رئيس الجمهوية؟ دور رئيس الجمهورية في "السهر على احترام الدستور" هو دور يعلو على "الصلاحيات" وتنازعها . وإن أهم صلاحية لرئيس الجمهورية بعد التعديل الدستوري هي الموقع الجديد الذي بات يحتله، أي أنه أصبح رئيساً للدولة لا للسلطة الاجرائية، وهو رمز وحدة الوطن، والساهر على احترام الدستور، والمحافظ على استقلال لبنان ووحدته وسلامة اراضيه. وهو بحكم موقعه هذا يجب أن يكون مرجعية وطنية دستورية. ولكي يلعب هذا الدور يجب أن يتمتع بالقدرة التي تمكنه من ضبط عمل المؤسسات. إن قدرة رئيس الجمهورية تنبع من أمور ثلاثة، وهي:

- ثقة الشعب به، وهذا يتطلب منه أن يتمتع بصدقية لا يرقى اليها الشك، ويترفع عن الصراعات الطائفية والمذهبية، ويضع نفسه على مستوى الوطن وليس على مستوى الجماعات المكونة له.

- قدرته على جعل نفسه فوق الصراعات السياسية الدائرة في اطار المؤسسات الدستورية وبينها، بحيث يستطيع أن يلعب دوره كحكم وضابط للعبة السياسية، ولا يدخل في مساومات تضعف موقعه لحساب منافع خاصة.

- الصلاحيات التي منحه اياها الدستور وهي المصدر الأساسي لقدرته.


اذن هناك حاجة للبحث عن الصلاحيات الجديدة التي لم يسبق أن مارسها رئيس الجمهورية في دوره السابق على الطائف. وهذا يتطلب تعريف الدور المطلوب للرئيس بصفته رئيسا للنظام وليس مجرد الرئيس الحكم، وليس الرئيس الماروني الأقوى. وهذه الصيغة الجديدة هي لتقوية دور رئيس الجمهورية، ولتمنحه هذا الدور المرجعي للنظام السياسي فيما يكون المرجع المسيحي داخل مجلس الوزراء هو الحزب أو الاحزاب المسيحية التي تفوز في الانتخابات النيابية كالطوائف الاخرى.


وعندما يعطي الدستور للرئيس صفة "رئيس الدولة، هذا يعني ان رئاسة الدولة ليست مركز شرف، انما هي احدى سلطاته الدستورية الشخصية والأساسية وهو ملزم بممارستها، فإمتناع رئيس الجمهورية عن ممارسة سلطته "كرئيس للدولة" او "اعتكافه" يرتب عليه مسؤولية دستورية تجاه الوطن وتجاه الشعب، وهو مخالف للدستور، فالإعتكاف هو هرطقة دستورية يحاسب عليه القانون الدستوري، فرجل الدولة لا يعتكف.


2- حلف اليمين الدستورية

رئيس الجمهورية هو رئيس الدولة بالنص الدستوري. وهذا ما يعطي للرئيس، صلاحية القيادة المعنوية للبلاد. فهذا الحق الدستوري أي سلطته "كرئيس دولة" يبرر أداءه القسم وفق المادة 50 التي تفرض عليه أن يحلف يمين "الاخلاص للأمة والدستور" ... بقوله: " أحلف بالله العظيم إني احترم دستور الأمة اللبنانية وقوانينها واحفظ استقلال الوطن اللبناني وسلامة أراضيه". في الوقت الذي لا يكون هذا القسم مطلوباً من بقية أعضاء السلطات الدستورية ورؤسائها أي من رئيس مجلس الوزراء ورئيس المجلس النيابي.

وعليه، فإن رئيس الجمهورية اللبنانية يبقى المسؤول الأول في الدولة اللبنانية وعنها( )، وهو لا يتصرف في موقعه الدستوري من موقع طائفي بل من موقعه كرئيس للدولة سنداً للمادة 49 من الدستور وكضامن لاحكامه علماً انه انتخب من قبل المجلس النيابي بسبب انتمائه للطائفة المارونية ولكنه لحظة انتخابه عليه ان يتحول الى ممثل للامة اللبنانية جمعاء كونه الوحيد الذي يقسم اليمين الدستورية، وهو دور نتمنى ان ينسحب على بقية المواقع الدستورية المؤتمنة على تمثيل شعب لبنان باسره، وليس فقط طائفة معينة او مذهب معين، وهنا تكمن القضية الواجب مقاربتها بروح وطنية صريحة وصادقة ومسؤولة.

تأكيداً على هذه المكانة السامية لرئيس الجمهورية، مكنّه وحده من ان يحلف امام ممثلي الشعب، يمين الإخلاص للأمة والدستور، وإن كان انتخابه لا يتم مباشرة من قبل الشعب، بل من مجلس النواب الممثل للإرادة الشعبية، فهو يتعهد أمام البرلمان، متوجهاً من خلاله إلى الأمة، إلى الشعب اللبناني، باحترام الدستور والقوانين والحفاظ على استقلال الوطن اللبناني وسلامة أراضيه، أي بالقيام بالدور الذي يمكنه من تحقيق هذه الأهداف.


3- رئيس الجمهورية ضامن للتوازن:

وضع اتفاق الطائف رئيس الجمهورية في موقع سامٍ ومتميزٍ نظراً للدور المقدر له أن يقوم به كمرجع في الشأن الوطني العام والحكم في الصراع السياسي في ظل نظام برلماني يقوم على المشاركة في الحكم وعلى تنافس سياسي حاد بين قوى وأحزاب وتكتلات سياسية ذات توجهات مختلفة تتصارع ديموقراطياً للوصول إلى السلطة( ). بحيث يكون رئيس الجمهورية بعيداً ومنزهاً عن الصراعات السياسية، سواء داخل البرلمان أو داخل السلطة التنفيذية، وفي منأى عن هذه الصراعات، لكي يحافظ على موقعه الدستوري كصمّام أمان للنظام، ولكي يستطيع أن يضبط آلة الحكم، فتبقى البلاد منضبطة في إطار الدستور والقانون، ولا تخرج عن أحكامهما، بحيث تتحول البلاد إلى حالة من الفوضى، لا مرجع لها ولا ضابط.

وقد زود الدستور رئيس الجمهورية بالوسائل والأدوات والصلاحيات الدستورية، بما يحفظ له موقعه ومرجعيته ودوره كحامي للدستور ووحدة الدولة والعيش المشترك، فرئيس الجمهورية هو الذي يضمن التوازن بين المبادئ الدستورية ومتطلبات خصوصية النظام والعيش المشترك.

وهكذا يتبين أن تدخل الرئيس لا يتوقف على أساس دوره كحكم بين السلطات فقط، بل ان تدخّله له علاقة بتركيبة النظام اللبناني المؤلف من مجتمع طوائفي تحكمه الديمقراطية التوافقية. ومن هنا يجب على الرئيس رعاية التوازنات الطائفية، لأن نظام لبنان البرلماني لا يعتمد على الأكثريات كما يحصل في الدول الديمقراطية الغربية وانما على التوازنات الداخلية( )، حيث يقوم النظام اللبناني على توازنٍ دقيقٍ بين قوى مختلفة وهي:

- التوازن بين الطوائف الذي يتحقق عن طريق قانون الانتخاب.

- التوازن الشخصي بين الزعماء.

- التوازن المناطقي.

- التوازن داخل مجلس الوزراء، إن لم نقل التوازن بين الرئاسات الثلاث.


إن هذا التوازن يفرض ضرورة التعاون بين الشركاء – الخصوم بحيث لا يستطيع أي واحد منهم أن يلغي الآخر، كما انه لا يسمح لجماعة من الجماعات التي يتكون منها المجتمع أن تفرض نفسها على غيرها بصورة دائمة لأنها لا تملك، أو لا يسمح لها بأن تملك، من القوة ما يؤهلها للاستيلاء على السلطة. وكل خلل في هذا التوازن يؤدي إلى شلل الشراكة. وبما أن صيغة الحكم مبنية على توازنات معينة، لذا كان من الطبيعي أن تنمو التناقضات الداخلية عندما تخرق هذه التوازنات، وأن الازدواجية بين الدستور والصيغة الطائفية أي مسألة تقاسم السلطات في الحكم أدت الى تعطيل قواعد النظام البرلماني، ويدلّ على أن الطبقة السياسية التي تحكم البلاد فشلت في ايجاد الحلول لما تعانيه البلاد من أزمات الى درجة يشعر معها المواطن أن الدولة ليست أكثر من وسيلة تعمل لحساب زعماء الجماعات الطائفية أو الى مزرعة يتقاسم هؤلاء خيراتها.


انطلاقاً من هذه البنية نجد أن القرار السياسي في لبنان هو قرار جماعي توافقي، وان اختلف التأثير في فرض القرار بين الزعماء بحسب موقعهم في السلطة، الا أنه يصدر نتيجة المساومات بين القوى الفاعلة، وغالباً ما يأتي كتسوية بين الآراء المتضاربة، وبالتالي فهو لا يعالج المشكلات معالجة جذرية، وإن رفض أي طرف من الأطراف الأساسية لهذا القرار يؤدي إلى تجميده ، أو يخرج الرافضون الممثلون في الحكومة على مبدأ التضامن الوزاري.


4- توسع صلاحيات الرئيس في الأزمات

رئيس الجمهورية هو رئيس الدولة، لم يعد مجرد رمز، انما غدا مرجعيةً دستورية لها صلاحيات تستخدمها في أوقات الشدة، من أجل الحفاظ على انتظام أداء المؤسسات الدستورية، نظراً لما لذلك من أهمية بالنسبة للمسؤوليات التي حمّلها الدستور لرئيس الجمهورية، والتي تتطلب انتظام اداء المؤسسات الدستورية كونه أساس انتظام عمل سائر مؤسسات الدولة. وان إعطاء رئيس الجمهورية مثل هذه الصلاحيات لا علاقة له بالتوازنات الطائفية التي يقوم عليها النظام السياسي، وهو يأتي لصالح اللبنانيين جميعاً ويسهم في صون العيش المشترك، لأنه يحول دون تعطيل مؤسسات الدولة، وبالتالي تعطيل مصالحهم. وحتى يتمكن رئيس الجمهورية من ممارسة هذه المسؤولية- على جسامتها- نرى ضرورة تدخله إذا ما تهدّدت وحدة البلاد، أو تهدّد أمنها بحرب أهلية محتملة. أو إذا لم تستطع الحكومة السيطرة على الأوضاع العامة في البلاد، وإدارة شؤون الحكم. فكان السؤال حول النصوص الدستورية التي تسمح لرئيس الجمهورية اللبنانية بلعب دور الحكم الفاعل والساهر على احترام تطبيق الدستور، والقادر على حسم الازمات الوطنية والدستورية والسياسية في البلاد وخاصة في ظل الازمات الخطيرة التي تهدد مصير الوطن كواقعنا الحاضر!!" .


فالواجب الملقى على عاتق رئيس الجمهورية، لا بل ان القسم الدستوري الذي يؤديه كونه حارساً للدستور وساهراً على تطبيقه سنداً لاحكام المادة 50 منه، يلزمه باتخاذ قرارات صريحة وواضحة يجب ان تصب كلها في مصلحة الوطن وذلك عند اي اخلال بالدستور وبصيغة العيش المشترك او عند اخلال المجلس النيابي والحكومة بمقدمة الدستور واحكامه( ). فرئيس الجمهورية هو المرجعية وهو الحكم، لا الشارع ولا الخارج، عندما يحتدم الصراع بين القوى السياسية، بين أكثرية وأقلية، بين الحكومة ومجلس النواب، وحتى بين أعضاء الحكومة أنفسهم، أو عندما تقصر آليات النظام الديموقراطي عن استيعاب أو احتواء الخلافات أو النزاعات او تفقد فاعليتها، بسبب تضارب المصالح وتداخلها، أو الحساسيات الطائفية والمذهبية، أو أي أسباب أخرى.

5- ضرورة مراعاة الأصول الدستورية في انتخاب رئيس الجمهورية

إن عملية إنتخاب رئيس الجمهورية في لبنان هي من العمليات الأساسية في حياة لبنان، إلا أن الممارسة السياسية لعملية الانتخاب وما يشوبها ويتخللها من خلافات وهرطقات ناتجة عن أمرين اثنين هما: الغموض والخلل في النص الدستوري لا سيما المادة 49، أو النقص في فهم الصيغة اللبنانية في العيش المشترك التي ولدت بموجب الميثاق الوطني1943 وتكرست في العام 1989 بموجب إتفاق الطائف.

لذلك، كان احترام ومراعاة الأصول الدستورية في انتخاب رئيس الجمهورية هو الذي يعطي للرئيس الشرعية، لأنه رئيس الدولة ورمز وحدة الوطن، يسهر على احترام الدستور..." (المادة 49 ) لذا ينبغي أن يكون شرعياً ومنتخباً أصول ليتسنّى له أن يطبق الدستور. ومن هذا المنطلق وبالرجوع الى النص المادة 49 : "ينتخب رئيس الجمهورية بالاقتراع السري بغالبية الثلثين من مجلس النواب في الدورة الأولى، ويكتفى بالغالبية المطلقة في دورات الأقتراع التي تلي...". كما نصت المادة المادة 75 إن المجلس الملتئم لانتخاب رئيس الجمهورية يعتبر هيئة انتخابية لا هيئة اشتراعية، وهذا ما يوجب استبعاد نصاب الأكثرية المطلقة المحدّد في المادّة 34 من الدستور في مجال تطبيق المادّة 49 من الدستور التي جعلت من رئيس الجمهورية رئيساً للدولة ورمزاً لوحدته .. الأمر الذي يحتّم بديهياً أن يوجب الدستور نصاباً موصوفاً ومميّزاً لانتخابه بالنظر لتميّز موقعه ومقامه ورمزيته ودوره الوطني وقسمه ، فالرئيس ليس ممثلاً لطائفة، بل ممثلاً لوطن. ومن أجل عدالة التمثيل أيضاً، يقتضي كذلك أن يكون الرئيس مثل باقي الرؤساء، فرئيس مجلس النواب ورئيس مجلس الوزراء، هما رؤساء توافقيين، وهذا هو مضمون إتفاق الطائف. لعلّ عدم التوافق المسيحي على شخص الرئيس هو ما يضعف رئيس الجمهورية، ولكن من المؤكد من أن رئيس مجلس النواب والوزراء، وإن كانوا يمثلون طوائفهم، فهم أيضاً رؤساء مقبولين لدى باقي الطوائف، وإلا لما كان بالإمكان انتخابهم كذلك.


ثالثاً رئيس الجمهورية بعد الطائف: حَكَم وشريك

لم ترد صراحة في الدستور اللبناني عبارة " الرئيس الحكم" ولكن بشكل غير مباشر نصت المادة 49 من الدستور اللبناني على أن "...رئيس الدولة هو رمز وحدة الوطن..." وفي ذلك اشارة واضحة الى الدور الذي يجب ان يضطلع به وهو دور الحكم بين مختلف الفرقاء والاتجاهات . فعلى الرغم من تقليص صلاحيات الرئيس لم يتجه المشترع اللبناني يوماً نحو رئاسة فخرية بدون مضمون.

هذا هو موقع الرئيس ودوره، ولا يمكن النظر إليهما من زاوية التماثل أو التساوي مع الرئاسات أو مع صلاحياتها. فصلاحيات رئيس الجمهورية تتحدد في ضوء موقعه ودوره، وليس في ضوء المقارنة مع صلاحيات الرئاسة الأخرى، لأن مهمة الرئيس وطبيعتها وأبعادها تختلف وتتميز عن تلك المنوطة بالرئاسات الأخرى والتي تحكمها أصول وقواعد النظام البرلماني القائمة على مفهوم التعاون والتوازن، من جهة، ووسائل الضغط المتبادلة والمساءلة والمحاسبة، من جهة ثانية، فصلاحيات الرئيس لا تقارعها ولا توازيها ولا تدانيها أي من صلاحيات الرئاسات الأخرى.

كان رئيس الجمهورية اللبنانية خلال الجمهورية الأولى (1943-1990) محور استقطاب الحياة الدستورية والسياسية وملكاً غير متوجاً لمدة ست سنوات على الأقل لأن الرغبة في التجديد حكمت أداء نصف رؤساء الجمهورية . وقد شكّلت صلاحيات رئيس الجمهورية جوهر الاصلاحات الدستورية التي أقرّت عام 1990 بعض الصلاحيات التي انتزعت من رئيس الجمهورية أنيطت بمجلس الوزراء، ولا سيما السلطة الإجرائية التي كانت مناطة برئيس الدولة فأصبحت مناطة بمجلس الوزراء، وما يستتبع ذلك من صلاحيات نصّت عليها المادة 65 المعدّلة من الدستور وذلك بهدف اشراك جميع الطوائف السياسية في عملية اتخاذ القرار السياسي وإدارة شؤون الدولة.

كما أن بعض صلاحيات رئيس الجمهورية الهامة انتقلت الى رئيس مجلس الوزراء الذي خصصت لعرض صلاحياته المادة 64 من الدستور، جاعلةً منه المسؤول الأول في السلطة الإجرائية. فهو المسؤول عن تنفيذ السياسة العامة للحكومة. وتمّ تكريس استقلاله عن رئيس الجمهورية في إدارة شؤون الحكومة ان لجهة وضع جدول أعمال مجلس الوزراء ام لجهة ترؤس اجتماعاته ودعوته الى الانعقاد، الأمر الذي أدّى الى نقل مركز ورمز الحكم في لبنان من قصر بعبدا الى السرايا الكبير. أمّا ما تبقى من صلاحيات لرئيس الجمهورية فإنه، باستثناء مرسوم تسمية رئيس الحكومة ومرسوم قبول استقالة الحكومة او اعتبارها مستقيلة، لا يحق له ممارستها بدون توقيع رئيس الحكومة والوزير او الوزراء المختصين (المادة 54 من الدستور).

إن هذا الانتقاص من صلاحيات رئيس الجمهورية أثار الاعتراض عند فئة من اللبنانيين لأنه إذا كان من المقبول ان يكون رئيس الجمهورية حكماً في نظام ديمقراطي برلماني لا طائفي، فإن اعتباره حكماً رمزياً لا يملك الصلاحيات لا بدّ ان يؤثر سلباً على موقع المسيحيين في ادارة شؤون الدولة( ). لهذا فإن هذا الانتقاص من صلاحيات الرئيس لم تجعله خارج السلطة التنفيذية، فبعض النصوص ما زالت تعطي رئيس الجمهورية صلاحيات تجعل منه قطباً دستورياً مؤثراً، لهذا فإن هذه التعديلات الدستورية لم تهدف إلى إضعاف موقع يعود لطائفة معينة لصالح موقع آخر يعود لطائفة أخرى. بل إن جوهرها هو نقل صلاحيات السلطة الإجرائية إلى مجلس الوزراء الذي تجتمع فيه كافة أطياف المجتمع اللبناني الدينية.


1- ثنائية السلطة التنفيذية

إن مجرد المقارنة بين نص المادة 17 من دستور 1926: "تناط السلطة الإجرائية برئيس الجمهورية وهو يتولاها بمعاونة الوزراء وفاقاً لأحكام الدستور"، ونصّ المادة 17 المعدلة بالقانون الدستور رقم 18/1990: "تناط السلطة الإجرائية بمجلس الوزراء، وهو يتولاها وفاقاً لأحكام هذا الدستور"، يتبين لنا بوضوح أنها ركزت السلطة الإجرائية بمجلس الوزراء مجتمعاً، فتكون قد نقلت السلطة الإجرائية من رئيس الجمهورية، إلى مؤسسة مجلس الوزراء، كما أنها أعادت النظام السياسي اللبناني إلى كنف الأنظمة البرلمانية، سيما وأن الكثير من الصلاحيات التي كانت من اختصاص رئيس الجمهورية، وقد ركزتها هذه التعديلات الدستورية وأخضعتها لموافقة مؤسسة مجلس الوزراء.

فعلى ضوء توزيع الدستور للسلطة الاجرائية بين كلٍّ من رئيس الجمهورية ورئيس مجلس الوزراء ومجلس الوزراء، يمكننا القول أن الدستور اعتمد:

• احياناً الثنائية التنفيذية المتساوية بين رئيس الجمهورية ومجلس الوزراء في الأمور والقضايا التي تتوقف ممارستها من قبل مجلس الوزراء على مبادرة رئيس الدولة وبين رئيس الجمهورية ورئيس مجلس الوزراء في ما خصّ بعض الصلاحيات.

• أحياناً الثنائية التنفيذية اللامتساوية لمصلحة رئيس مجلس الوزراء والحكومة في ممارسة أغلب الصلاحيات المناطة بمجلس الوزراء، والتي لا يملك حيالها رئيس الدولة إلا صلاحية اعتراض مؤقت.


2- المشاركة في الصلاحيات:

إن رئيس الجمهورية في لبنان لم يحافظ على صلاحياته كاملة، ولم يجرَّد منها بصورة كاملة أيضاً، بل إن الطائف وزّع الصلاحيات بين الرئيسين بصورةٍ متوازنة، فبعد أن كانت السلطة الإجرائية منوطة برئيس الجمهورية قبل الطائف، أصبحت منوطة بمجلس الوزراء (المادة 17). فالدستور الجديد أوجد مؤسسة مجلس الوزراء وهي لم تكن موجودة في الدستور السابق لأن مجلس الوزراء لم يكن لينعقد إلا برئاسة رئيس الجمهورية.

فالتعديلات الجديدة لا تعني أن رئيس الحكومة في لبنان أصبح كرئيس الحكومة في بريطانيا أو كأي رئيس حكومة في نظام برلماني فهو ليس الحاكم الفعلي الوحيد، ورئيس الجمهورية ليس ملكاً لا يحكم بل ما زال يتمتع بصلاحيات مهمة في السلطة التنفيذية، وهذه الصلاحيات يمارسها بالمشاركة مع رئيس الحكومة شريكه الثاني في السلطة التنفيذية، في إطار مؤسسة مجلس الوزراء، وإن دستور ما بعد الطائف رسم لرئيس الجمهورية دوراً جديداً ومميزاً، ولم يجرده من كل صلاحياته السابقة.

إن منطق المشاركة والمناصفة بين رئاسة الجمهورية من جهة ورئاسة الحكومة والحكومة من جهة أخرى، هو الذي ساد بعد التعديلات الدستورية الأخيرة من خلال الصلاحيات المشتركة التي نص عليها الدستور الجديد، والتي كرست الثنائية التنفيذية المتساوية نسبياً بين رئيس الجمهورية ورئيس الحكومة. وهذه الصلاحيات المشتركة هي :

 يشترك رئيس الحكومة ورئيس الجمهورية في تشكيل الحكومة.

 يتولى رئيس الجمهورية المفاوضة في المعاهدات الدولية بالإتفاق مع رئيس الحكومة (المادة 52).

 توقيع رئيس الحكومة إلى جانب رئيس الجمهورية جميع المراسيم، بإستثناء تسمية رئيس الحكومة وقبول إستقالتها أو إعتبارها مستقيلة (المادة 54).

 المشاركة بين الرئيسين في توقيع مرسوم الدعوة إلى فتح دورة إستثنائية لمجلس النواب ومراسيم إصدار القوانين وطلب إعادة النظر فيها (المادة 64 فقرة 5).

 يحيل رئيس الجمهورية مشاريع القوانين التي ترفع إليه من مجلس الوزراء إلى مجلس النواب (المادة 53 فقرة 6).

 لرئيس الجمهورية رئاسة المجلس الأعلى للدفاع وهو القائد الأعلى للقوات المسلحة التي تخضع لسلطة مجلس الوزراء (المادة 49)، ويكون رئيس الحكومة حكماً نائباً لرئيس المجلس الأعلى للدفاع (المادة 64 فقرة 1).


3- دور رئيس الجمهورية في تسمية رئيس الحكومة المكلف

ان النص القديم للمادة 53 من الدستور وقبل تعديلها في العام 1990 كانت تعطي رئيس الجمهورية صلاحية تعيين الوزراء واختيار رئيساً لهم من بينهم، ولكن رئيس الجمهورية ومن منطلق إرادته في المحافظة على التوازن الوطني والمشاركة الحقيقية امتنع دائماً عن ممارسة هذه الصلاحية بحيث كان يجري استشارات نيابية لتكليف شخصية من الطائفة السنية لتأليف الحكومة، حيث نشأ خلال العهود الرئاسية السابقة لاتفاق الطائف عرفاً دستورياً يتناقض مع نص المادة 53 القديمة، إذ أن المادة الاخيرة كانت تنص بشكلٍ واضح لا يحمل التأويل على أن رئيس الجمهورية يعين الوزراء ويسمي منهم رئيساً...." لكن العرف الدستوري الذي بدأ يطبق بعد ميثاق 1943 كان يقضي بإجراء استشارات نيابية، دون ان يلزم رئيس الجمهورية بالأخذ بنتائجها. تحوّل هذا العرف الدستوري بعد الطائف الى نص دستوري في المادة 53 المعدلة، مع اضافة الزام الرئيس بالأخذ بنتائج الاستشارات، فما هي خلفية هذا النص او بالاحرى ما هو مصدر هذا النص وما مدى الزامه لرئيس الجمهورية؟.

تعددت الآراء الفقهية حول تفسير الفقرة 2 من المادة 53 الجديدة، فالعديد من هذه الآراء يرى ان الغالبية النيابية المطلقة تقيد رئيس الجمهورية في تحديد اسم المرشح لرئاسة الحكومة، وأن رئيس الجمهورية ملزم بتسمية من ينال الاكثرية النيابية، لأن عليه ان يطلع رئيس المجلس على النتائج، وقد جاء هذا الرأي انطلاقاً من فكرة مفادها ان المادة 53 هدفت الى نقل صلاحية تحديد الرئيس المكلف من رئاسة الجمهورية الى مجلس النواب ووضع قواعد واضحة لذلك بحيث تصبح التسمية بيد الأكثرية المطلقة من أصوات النواب الذين يستشيرهم رئيس الجمهورية، أي تصبح تسمية رئيس الوزراء اللبناني مشابهة لتسمية رئيس الوزراء في النظم الجمهورية البرلمانية.

مقابل هذه الاراء ظهرت آراء اخرى تفسر الفقرة 2 بأن الاستشارات تعني ان يتحرى رئيس الجمهورية بكل ما لديه من وسائل من اجل معرفة الشخص الذي يكون أوفر حظاً في الحصول على الثقة عندما تمثل الحكومة امام المجلس، وان موجب الالزام الوارد في النص هو موجب معنوي فقط لأن المعاقبة على الالزام او عدمه تتم عند نيل الثقة.

أما لناحية الغاية من إقرار نظام الإستشارات النيابية الملزمة، فهي جاءت بديلاً لإنتخاب رئيس مجلس الوزراء من النواب، وفي هذه الصيغة حفظاً لموقع رئاسة الوزراء وعدم إخضاعها بالكامل لسيطرة المجلس النيابي، كما جاءت لحفظ موقع رئيس الجمهورية ولو شكلياً في تسمية رئيس الحكومة، مع إعطاء دور لرئيس مجلس النواب من خلال إطلاعه على نتائج الإستشارات التي هي ملزمة بإجرائها ونتائجها، وإذا لم تكن ملزمة بنتائجها لماذا يجب أن يطلع رئيس المجلس عليها؟ فهل من المنطق إستدعاء رئيس مجلس النواب وإبلاغه أن الأكثرية النيابية قالت كذا، ونحن سنعمل برأي مختلف.

وتتضاءل أهمية تشاور رئيس الجمهورية ورئيس مجلس النواب في حال حصول شخص على تأييد أكثرية مطلقة من عدد النواب لتوليه رئاسة الحكومة. لكن أهمية التشاور تزداد في حال عدم حصول اي شخص على اغلبية اصوات النواب وعندها يتضاعف دور الرئيسين كما تزداد مسؤوليتهما كون رئيس الجمهورية سيتحمل مسؤولية قراره بتحديد الرئيس المكلف ورئيس مجلس النواب سيتحمل مسؤولية الرأي الذي سيعطيه والذي يفرض عليه في حال اخذ رئيس الجمهورية به موجب العمل على تأمين الثقة للحكومة التي سيشكلها، اذ عليه ان يسعى لتوفير الظروف اللازمة واقناع الكتل النيابية لمنح الثقة لهذه الحكومة.

نستنتج من ذلك ان دور رئيس الجمهورية في تكليف رئيس الحكومة يشبه دوره في النظم البرلمانية ليتراوح بين تكليف زعيم الاغلبية النيابية اذا وجد دون امكانية تغييره وبين مشاركته في الاختيار في حال عدم وجود هذا الزعيم.


4- دور رئيس الجمهورية في تشكيل الحكومة

يسلم الفقه اللبناني بوجود دور لرئيس الجمهورية على عكس النظم البرلمانية انطلاقًا من خصوصية النظام اللبناني الطائفية، إذ يمكن لرئيس الجمهورية التحفظ على اشخاص معينين واذا لم يفرض رأيه فرضاً يكون قد استقال طوعاً عن ممارسة صلاحياته، نظراً لان تشكيل الحكومة من حيث المبدأ عهد به الى رئيس الجمهورية بالاتفاق مع رئيس الحكومة. وأن هذا الدور الدستوري لرئيس الجمهورية في تأليف الحكومة يتحقّق من خلال القيام واجباته في رعاية التوازنات الطائفية، لأن ما يميّز النظام البرلماني هو أنه لا يعتمد على الاكثريات وإنما على توافق التوازنات، بحيث يكون دور الرئيس فاعلاً في تشكيل الحكومة وعليه واجب حفظ التوازنات."

نخلص من هذا الى ان النص الدستوري الجديد في الفقرة الرابعة من المادة 53 وفي الفقرة الثانية من المادة 64 الذي يعطي دوراً واضحاً في عملية تشكيل الحكومة التي يضع مع رئيس الحكومة مرسوم تكليفها قد بدأ يتجه بالتطبيق الى تحديد حصة محددة لرئيس الجمهورية في الحكومة واطلاق يد رئيس الحكومة في الباقي. ومن خلال هذه المقارنة بين دور رئيس الدولة في النظم الجمهورية البرلمانية والمقارنة، والى دوره في النظام السياسي اللبناني الى ان دوره في تكليف رئيس الحكومة يشبه دوره في النظم البرلمانية الشبيهة السابقة كما في فرنسا الرابعة او الحالية (اليونان وايطاليا).

لكن دور رئيس الجمهورية كرئيس دولة في تعيين الوزراء هو دور لا مثيل له في النظم البرلمانية وهو يشبه جزئياً دور الرؤساء في النظم شبه الرئاسية. واذا كان له من دور في عملية التكليف فهو بسبب التشرذم الحزبي والانقسامات السياسية والطائفية أكثر منه بسبب النصوص الدستورية. إن هذا الدور الذي يمليه الواقع السياسي اللبناني يجعلنا نستنتج ان النظام البرلماني اللبناني هو نظام هجين من نوع خاص يجمع من البرلمانيه والتوافقية وشبه الرئاسية، مما يجعل من نظامنا الجمهوري اللبناني الديمقراطي الطائفي نظاما خاصاً اسمه النظام السياسي اللبناني.

فصلاحية الرئيس بالمشاركة في اختيار الوزراء، وفي الاعتراض على التعاون مع أي وزير يقترحه رئيس الحكومة إذا ما وجد ان هذا الوزير غير أهلٍ لتولي المنصب الوزراي لعدم كفاءته أو مناقبيته أو بسبب ملاحقته قضائي. أو اذا وجد ان التشكيلة الحكومية لا تراعي النصوص الدستورية( ). من هنا تظهر مسؤولية رئيس الجمهورية الكبيرة في اخراج البلد من مأزق "تأليف الحكومة"، لأنه الوحيد المخول حماية الدستور.


5- المساكنة في الحكم والممارسة الديمقراطية

عندما ينتمي كلاً من رئيس الجمهورية ورئيس الحكومة إلى فريقين سياسيين متنافسين، فإن واجبهما ومن باب الحرص على الدستور أن يعيشا المساكنة في الحكم، وأن لا يؤثر الخلاف السياسي على الأداء الدستوري، إذ على الفريقين تأليف الحكومة وتأمين كل الوسائل للحكم مع الحرص على تطبيق الدستور، لأن مصلحة البلاد و هي الاهم وهي التي تجمعهم.

في فترة المساكنة في الحكم، لا يمكن للدولة أن تحدد مصالحها الوطنية الا من خلال صوت واحد وقوي .... والمهم أن يحترم كل واحد وظيفته التي أناطها له الدستور. فهذه المساكنة ليست عائقاً في الحكم، بل شكّلت إضافة على الممارسة الديمقراطية .


رابعاً: دور رئيس الجمهورية في أداء المؤسسات الدستورية

إن تغيير مهمات ودور رئيس الجمهورية، لم تصل لدرجة نزع كافة صلاحياته، بل لا زال رئيس الجمهورية هو محور أبواب وفصول الدستور اللبناني، حيث لم يطل التعديل التقسيم الشكلي لمواد الدستور، وكذلك فإن الانتقاص من صلاحيات الرئيس لم تجعله خارج السلطة التنفيذية، ولم تحرمه من ممارسة دور ما اتجاه السلطة التشريعية، بل إن بعض النصوص ما زالت تعطي رئيس الجمهورية صلاحيات تجعل منه قطباً دستورياً مؤثراً.


1- صلاحيات رئيس الجمهورية تجاه الحكومة

تلخّص صلاحيات رئيس الجمهورية ذات الصلة بالعمل الحكومي، بما يأتي:

‌أ- حضور وإدارة جلسات مجلس الوزراء: إن الفقرة الأولى من المادة 53 من الدستور تحدّد بشكل واضح حق رئيس الجمهورية بترأس جلسات مجلس الوزراء عندما يشاء، ولا يكون له الحق بالتصويت. ولكن، ما هو معنى هذه الصلاحية؟ فمن حيث المبدأ، لا تعقد جلسة مجلس الوزراء دون حضور رئيس مجلس الوزراء، ولكن العكس غير صحيح، أي إن غياب رئيس الجمهورية لا يؤثر على صحة إنعقاد مجلس الوزراء، أما لناحية إدارة الجلسات، فإنه إذا كان الرئيس يتمتع بكامل صلاحياته خارج فترات الازمات السياسية، فإنه في حال خلافه مع رئيس الحكومة، لا يكون له مساحة واسعة من الصلاحيات. فإن مجرد عدم الإلتزام يترتيب مواد جدول الأعمال، أو طرح تأجيل البت بإحدى نقاط البحث إلى جدول جلسة أخرى لمجلس الوزراء قد يشكل أزمة سياسية لا يستطيع رئيس الجمهورية وحده الوقوف بوجهها.

‌ب- تحضير جدول الأعمال والأمور الطارئة: ورد النص على تحضير جدول أعمال مجلس الوزراء في الفقرة السادسة من المادة 64 المتعلقة بتحديد صلاحيات رئيس مجلس الوزراء، بحيث أن هذا الأخير هو صاحب الصلاحية في دعوة مجلس الوزراء للإنعقاد ووضع جدول أعماله. وقد أثارت الجملة الأخيرة من هذه الفقرة جملة تفسيرات وإشكالات سياسية، التي جاء فيها:"ويطلع رئيس الجمهورية مسبقاً على المواضيع التي يتضمنها وعلى المواضيع الطارئة التي ستبحث". لم تشكّل هذه الجملة أية مشكلة في فترات الإتفاق السياسي، على عكس الحال عندما يوجد خلاف ما بين رئيس الجمهورية ورئيس الحكومة. بحيث جرى إعتماد تفسير هذه الجملة بأن لرئيس الجمهورية حق الإعتراض على بعض البنود، وإعادة ترتيب جدول الأعمال بالتوافق مع رئيس الحكومة.

بالمقابل فقد أعطت الفقرة الحادية عشر من المادة 53 من الدستور الحق لرئيس الجمهورية بأن "يعرض أي من الأمور الطارئة على مجلس الوزراء من خارج جدول الأعمال". وهذه الصلاحية هي مهمة جداً، لأنها تعطي الرئيس حق إضافة أي من الأمور التي يراها طارئة ولا تدخل من ضمن رقابة رئيس الحكومة عليها.

‌ج- إنعقاد جلسات مجلس الوزراء: إذا كانت الفقرة السادسة من المادة 64 من الدستور تعطي لرئيس الحكومة الحق بأن يدعو مجلس الوزراء إلى الإنعقاد، وبعطف هذا النص على نص الفقرة الخامسة من المادة 65 التي تنص على أن يجتمع مجلس الوزراء دورياً في مقر خاص: " فهذا يعني أن رئيس مجلس الوزراء يدعو مجلس الوزراء للإنعقاد الدوري، أما دعوة مجلس الوزراء للإنعقاد بصورة إستثنائية فهي صلاحية عائدة لرئيس الجمهورية بالإتفاق مع رئيس الحكومة. لكن في فترات الأزمات السياسية، لم يستطع رئيس الجمهورية ممارسة هذه الصلاحية كما جاء تحديدها في النص.

‌د- صلاحية رئيس الجمهورية الخارجية: يتولى رئيس الجمهورية تمثيل لبنان تجاه الدول الاجنبية، وهو الذي يتقبل اوراق اعتماد السفراء الاجانب، وهو الذي يرسل السفراء اللبنانيين. ولرئيس الجمهورية، صلاحية المفاوضة في عقد المعاهدات الدولية بالاتفاق مع رئيس الحكومة على أن لاتصبح مبرمة الا بعد موافقة مجلس الوزراء. وتطلع الحكومة مجلس النواب عليها حينما تمكنها من ذلك مصلحة البلاد وسلامة الدولة...(المادة 52) . وهذه المادة اشترطت لابرام المعاهدة موافقة مجلس الوزراء على مضمونها ونزعت بالتالي من رئيس الجمهورية امكانية ربط لبنان بمعاهدات سرية أو أحلاف عسكرية دون علم مجلس الوزراء.

‌ه- حق الطلب إلى مجلس الوزراء إعادة النظر في أي قرار من القرارات التي يتخذها المجلس خلال خمسة عشر يوماً من تاريخ إيداعه رئاسة الجمهورية (المادة 56). هذه الصلاحية المناطة برئيس الجمهورية مبررة "باعتباره حكماً لا حاكماً وهي تنسجم مع حق الرقابة الشائعة التي يمارسها رئيس الدولة بموجب أحكام المادة 50 من الدستور"، وتنسجم مع كونه رئيس الدولة وراعي مؤسسة مجلس الوزراء، الا أن هذا الحق هو حق مؤقت يسقط اذا أصرّ مجلس الوزراء على القرار المتخذ بالأكثرية المطلوبة وفقا لطبيعة المراسيم والقرارات المتخذة.

‌و- تولي الحكومة صلاحيات الرئيس وكالة: عند إنتهاء ولاية رئيس الجمهورية تتولى الحكومة مهام الرئيس( )، وتبقى جلساتها وأعمالها منعقدة بشكل كامل غير منقوص، وبالتالي تبقى المؤسسات عاملة بغياب رئيس الجمهورية.

‌ز- إقالة الوزراء: في ما يخص اقالة الوزراء فان المادة (53 ( القديمة قبل التعديل الدستوري نصت على حق رئيس الجمهورية باقالتهم. وهذه الصلاحية تتعارض مع مبادىء النظام البرلماني لأن الحكومة في الأنظمة البرلمانية تكون مسؤولة فقط أمام البرلمان. التعديل الدستوري الأخير، نزع هذه الصلاحية من رئيس الجمهورية وأوجب شرطين لاقالة الوزير، وهما: صدور مرسوم عن مجلس الوزراء بأكثرية الثلثين من عدد أعضاء الحكومة المحدد في مرسوم تشكيلها، والثاني هو توقيع رئيس مجلس الوزراء على مرسوم الاقالة. وإذا كان رئيس الجمهورية قد فقد الحق بإقالة الوزارة، فانه لم يعدم الوسائل لدفع الحكومة الى الاستقالة من خلال الايعاز الى ثلث اعضائها لتقديم استقالتهم، أو من خلال الايعاز الى بعض النواب المحسوبين عليه بحجب الثقة عن الحكومة( ). أما خارج حالة طرح الثقة بالحكومة من قبل المجلس النيابي، فإن استقالة الحكومة أو إقالتها، أصبحت بعيدة عن تأثير رئيس الجمهورية، ولم يعد له من سلطة لاقالتها، بل أصبح موضوع استقالتها محدد بموجب المادة 69 من الدستور.


2- صلاحيات رئيس الجمهورية تجاه المجلس النيابي:

لم يعد لرئيس الجمهورية أي دور فعال، إلّا في حدود ضيقة فيما يتعلق بسير العمل في مجلس النواب. فالصلاحية الخاصة به هي توجيه رسالة إلى المجلس النيابي، أما باقي الصلاحيات فلا يمارسها منفرداً.

أ‌- توجيه الرسائل: عملاً بالفقرة العاشرة من المادة 53 من الدستور، يستطيع رئيس الجمهورية عندما تقتضي الضرورة توجيه رسائل إلى مجلس النواب، الذي يتوجب عليه أن يجتمع لمناقشة مضمون الرسالة واتخاذ الموقف المناسب، مع الإشارة إلى أن لا تأثير مباشر للرئيس على النواب، وخصوصاً خلال الأزمات السياسية، الذين يبقوا متشبثين بإرادة الحزب السياسي الذي يتبعون له.

ب‌- طلب إعادة النظر بالقانون: تنص المادة 57 من الدستور على أن: "لرئيس الجمهورية، بعد إطلاع مجلس الوزراء، حق طلب اعادة النظر في القانون مرة واحدة ضمن المهلة المحددة لاصداره ولا يجوز أن يرفض طلبه. وعندما يستعمل الرئيس حقه هذا يصبح في حلّ من إصدار القانون إلى أن يوافق عليه المجلس بعد مناقشة أخرى في شأنه، وإقراراه بالغالبية المطلقة من مجموع الأعضاء الذين يؤلفون المجلس قانوناً". على الرغم من أن هذه الصلاحية مرتبطة بقسم رئيس الجمهورية بالحفاظ على الدستور، فإنه يبقى متوجباً على رئيس الجمهورية إطلاع مجلس الوزراء قبل أن يطلب من مجلس النواب إعادة النظر بالقانون. وهنا يصبح بحلّ في إصدار القانون إلى أن يتم إقرار القانون ومناقشته وذلك بالأغلبية المطلقة من الاعضاء الذين يؤلفونه قانوناً. ولولا موجب إطلاع مجلس الوزراء، لكانت هذه الصلاحية حرّة تماماً من أي مرجع آخر. وبكل حال نرى أنه يقتضي إعتبار هذه الصلاحية عائدة للرئيس منفرداً، واعتبار تبليغ مجلس الوزراء برغبة رئيس الجمهورية بإعادة النظر بقانون هي مسألة شكلية بحتة( )، كما يستطيع رئيس الجمهورية التأثير على المجلس النيابي من خلال مراجعة المجلس الدستوري للطعن بالقوانين التي يراها غير دستورية (وفق المادة 19 من الدستور).

ج‌- تأجيل إنعقاد المجلس: تنص المادة 59 من الدستور على ما يلي: "لرئيس الجمهورية تأجيل انعقاد المجلس إلى أمد لا يتجاوز شهراً واحداً وليس له أن يفعل ذلك مرتين في العقد الواحد، لكنّ هذه الصلاحية المتعلقة بتأجيل إنعقاد المجلس لا محل لها للتطبيق في النظام السياسي والدستوري ولكن لم يتم إلغاء هذه المادة في التعديلات اللاحقة.

د‌- التشريعات الاستثنائية: يدخل ضمن صلاحية رئيس الجمهورية وضع مشاريع القوانين المعجلة موضع التنفيذ، إذا ما توفرت فيها الشروط الدستورية المقررة في المادة 58 من الدستور، وكذلك اعتبار مشروع الموازنة مرعياً ومعمولاً به يرتبط بصدور مرسوم عن رئيس الجمهورية بناء على قرار صادر عن مجلس الوزراء (المادة 86 من الدستور) .


ه‌- حل المجلس النيابي: لم يعد قرار حل المجلس النيابي عائداً لرئيس الجمهورية، بل أصبح الحلّ قراراً يتخذ في مجلس الوزراء، بناء على طلب من رئيس الجمهورية ولأسباب أصبحت محدّدة على سبيل الحصر وصعبة التحقق. إلا أن لرئيس الجمهورية دور أساسي في حلّ مجلس النواب، لأن قرار الحلّ لا يمكن أن يصدر إلا بناء على طلب رئيس الجمهورية، فتقدير توافر الأسباب القانونية لحل مجلس النواب واتخاذ القرار السياسي بحل المجلس يعود لرئيس الجمهورية، أما تنفيذ هذا القرار وجعله نافذاً فيعود لمجلس الوزراء( ). لكنّ شروط حل المجلس ترتبط بارادة مجلس النواب نفسه مما يعني انه لم يعد حل هذا المجلس ممكناً الا بارادته، الامر الذي يؤدي الى اسقاط الغاية التي اعتمد من اجلها مبدأ الحل، والتي تتمثل بالاحتكام الى الشعب مصدر السلطات من خلال انتخابات نيابية مبكرة وبالتالي يتعطل مع هذا الواقع مبدأ التوازن بين السلطة التنفيذية والسلطة التشريعية المنصوص عنه في مقدمة الدستور.


خامساً: معوقات ممارسة الصلاحيات الرئاسية

ساد الاعتقاد أن التعديلات الدستورية لعام 1990، سوف تؤدي الى تأمين الاستقرار الدستوري وتحقيق التوازن والمشاركة الحقيقية في البلاد وإلى ممارسة صيغة العيش المشترك بصورة متوازنة، غير ان التجربة سرعان ما أثبتت عكس ذلك لان النتائج التي انبثقت عن ممارسة النظام السياسي اللبناني الحالي أدت إلى تقليص فعالية دور رئيس الجمهورية في ممارسة دوره كرئيس للدولة وكحارس وضامن للدستور كما تنص على ذلك المادة 49 من الدستور. وبالإضافة لما سبق وأسهبنا به من من ناحية تأثير النظام السياسي على ممارسة الرئيس لصلاحياته، وكذلك التعديلات الدستورية التي قلّصت جزءاً من صلاحياتٍ سابقة كانت له، فإنه وفي إطار الصلاحية المقررة لرئيس الجمهورية في الدستور الجديد، تظهر جملة من المعوقات تمنع أداء الرئيس لصلاحياته، وتنتج هذه المعوقات إما بسبب غموض بعض النصوص الدستورية، أو بسبب عدم تحديد مقررات الرئيس التي تخضع للتوقيع الإضافي، وأخيراً لكون الحكم متعدد الرؤوس مرتكز إلى التوافقية.


1- غموض بعض النصوص الدستورية

احتوى الدستور اللبناني على بعض الثغرات التي رافقت التعديلات الدستورية، والتي تعيق عمل المؤسسات و"تكبل" يدي رئيس الجمهورية في تعاطيه مع بعض الأزمات التي قد تعانيها المؤسسات الدستورية؛ ومنها :

 أن المادة 53 تنص على حق رئيس الجمهورية في تعيين الوزراء بالاتفاق مع رئيس مجلس الوزراء: ان هذه المادة تتضمن فقرتين متناقضتين. الأولى تلزم رئيس الجمهورية بتكليف من تختاره الأكثرية النيابية لتشكيل الحكومة. وهذا يفترض اطلاق يده في تأليفها وهو المسؤول عن سياستها أمام البرلمان. والثانية تجعل رئيس الجمهورية شريكاً كاملاً في تأليف الحكومة مع الرئيس المكلف. ان هذه الصيغة هي مشروع خلاف خطير بين رئيسي الجمهورية والحكومة في حال عدم اتفاقهما على تشكيل الحكومة ، لأن الدستور لم ينص على الية معينة لحسم الخلاف بينهما الذي يمكن أن يؤدي الى أزمة حكم.

 أن النص الدستوري يمنع رئيس الجمهورية من حق دعوة مجلس الوزراء الى الاجتماع استثنائياً كلمّا رأى ذلك ضرورياً، إلا بالاتفاق مع رئيس الحكومة. فما العمل اذا لم يحصل الاتفاق بينهما؟... عندها يعجز رئيس الجمهورية عن دعوة المجلس للانعقاد حتى في حال بروز الأزمات، رغم كونه الساهر على احترام الدستور، والمحافظ على استقلال البلاد. فالضرورة قد تقضي بدعوة مجلس الوزراء للانعقاد دون أن يكون رئيس الحكومة موافقاً.

 لم يلحظ النص الدستوري (المادة 53) حلاً لموضوع عدم تمكن رئيس الحكومة المكلف من تشكيل الحكومة خلال فترة زمنية معقولة. ان عدم تشكيل حكومة خلال مهلة زمنية معينة يؤدي الى تفاقم الازمات.

 لم يلحظ النص مخرجاً للخلاف بين رئيسي الجمهورية والحكومة على اقالة الوزراء اذا أصر كل منهما على موقفه.

 إن المادة 54 من الدستور تنص على مشاركة رئيس الحكومة والوزراء المختصين في التوقيع على مقررات رئيس الجمهورية. فما العمل اذا امتنع هؤلاء عن التوقيع؟.

 تنص المادة 56 على حق رئيس الجمهورية بالطلب الى مجلس الوزراء إعادة النظر في قراراته، وكأنه شاء ان يستبدل حقه في التصويت بحقه في طلب إعادة النظر في القرار، لذلك يجب تحديد نصاب لإعادة النظر في القرار. وحددت هذه المادة مهلة خمسة عشر يوماً لرئيس الجمهورية لتوقيع المراسيم والقرارات، لكنها لم تحدد اي مهلة للوزير فيستطيع ابقاءها في الأدراج لاسابيع أو تعطيل هذه القرارات من دون ان يحاسب، وفي هذه الحال تصبح سلطة الوزير اقوى من سلطة رئيس الجمهورية.

 يحق لرئيس الجمهورية توجيه رسائل الى مجلس النواب عندما تقتضي الضرورة، ليبدي فيها رأيه في الامور العامة وتوجيه النصح بوصفه رأس الدولة. والسؤال هو ماذا يفعل اذا لم تتم الاستجابة لنصائحه؟.

 حددت المادة 65 من الدستور، أصول اتخاذ القرارات في مجلس الوزراء:

 يتخذ قراراته توافقياً وفي هذ تطبيقاً لمبدأ الديمقراطية التوافقية

 اذا تعذر ذلك فبالتصويت ، أي بإعتماد مبدأ الديمقراطية العددية

 اما المواضيع الاساسية فانها تحتاج الى الى موافقة ثلثي أعضاء مجلس الوزراء، وفي هذا تطبيق مبدأ الديمقراطية النسبية

فكيف يمكن لرئيس الجمهورية ان يسهم بأي حل او توافق او اتخاذ قرار، فمن اين يأتي بالحلول؟ وبالكاد يدير الازمة بسعيه إلى لم الشمل والاجماع بين الاطراف بواسطة بعض الطروحات والحلول التوافقية.

 هناك الالتباس في النص الدستوري الذي جعل رئيس الجمهورية قائداً أعلى للقوات المسلحة، وأخضع، في الوقت نفسه، هذه القوات لسلطة مجلس الوزراء. بالرغم من إناطة المادة 49 من الدستور الجديد برئيس الجمهورية من دور ريادي ، إلا أنها أخضعت القوات المسلحة لسلطة مجلس الوزراء، فهو القائد الاعلى للقوات المسلحة التي تخضع لسلطة مجلس الوزراء". فرئيس الجمهورية لا يستطيع إستعمال الجيش دون أن يعود إلى مجلس الوزراء، وهذا يعني ليس له حق الإمرة على الجيش، فالأمر لمجلس الوزراء، لأن هذه القيادة العليا إذاً لا تقترن بسلطة، أما السلطة فهي منوطة بمجلس الوزراء" .

2- إعادة تحديد مقررات الرئيس التي تخضع للتوقيع الإضافي

إن الصلاحيات المناطة بمؤسسات السلطة التنفيذية الثلاثة (رئيس الجمهورية، رئيس الحكومة، مجلس الوزراء) متشابكة وغير محددة تحديداً دقيقاً. لهذا يقتضي إجراء التمييز بين ثلاثة أنواع من المراسيم بعد أن اصبحت السلطة الإجرائية مناطة بمجلس الوزراء:

4- المراسيم الصادرة عن رئيس الجمهورية في إطار الصلاحيات الدستورية المناطة به بموجب بعض مواد الدستور والتي هي "مقررات" والتي تحتاج الى التوقيع الوزاري الإضافي.

5- المراسيم الصادرة عن رئيس الجمهورية بصفته التحكيمية وبصفته رئيس الدولة (مرسوم إصدار القانون ومرسوم رد القانون) وكذلك مرسوم تسمية رئيس مجلس الوزراء ومرسوم قبول استقالة الحكومة، وهي لا تحتاج الى التوقيع الوزاري الإضافي.

6- المراسيم الإعلانية الصادرة لوضع غالبية مقررات مجلس الوزراء موضع التنفيذ. أيضاً لا تحتاج الى التوقيع الوزاري الإضافي. وهي من المسائل التي تمّ التركيز عليها للإشارة الى القيود التي وضعت على رئيس الجمهورية بحيث أنه ملزم بالتوقيع على قرار مجلس الوزراء ضمن مهلة 15 يوماً في حين ان رئيس الحكومة او الوزير غير ملزم بمدّة محدّدة. ولما كانت هذه المراسيم إعلانية وليست انشائية لأنها لا تنشىء الحق أو الموضوع الذي قرره مجلس الوزراء بل تعلن عنه فقط، لذا يفترض أن لا تخضع لموجب التوقيع الوزاري الإضافي.

3- حكم متعدد الرؤوس مرتكز إلى التوافقية

جاء في المادة 17 من الدستور:" تناط السلطة الإجرائية بمجلس الوزراء وهو يتولاها وفقاً لأحكام الدستور"، هو حكم برأسين أو ثلاثة رؤوس مع تحدٍ ومبارزة - ففي أحسن الاحوال هناك مشكلة في اتخاذ القرارات ، ولكن على ما يبدو ان الخلاف بين رئيس الجمهورية والحكومة اصبح قاعدة من قواعد الحكم فدخل إلى قاموس العمل السياسي اللبناني مصطلح الاعتكاف والمقاطعة والتحالف بين مجموعات داخل الحكومة بالاضافة الى حكم الرؤوس المتعددة. وصار العداء السلطوي يحكم بالنفوس والعقول الى حد التجريح والتشهير، وغالبية التحالفات تنفرط بعد أداء المهمة، دون ان يكون هناك قاعدة معقولة للموالاة او للمعارضة. وما يزيد المازق السياسي تفاقماً طبيعة شعب لبنان التعددي بامتياز، فمن الصعب الحفاظ على النظام او أي صيغة الا بالتوافق بين فئاته (كل طوائفه ومذاهبه وقواه الاساسية) حيث لبنان لا يُحكم الا بالتوافق ولو بالاكراه. فكيف السبيل لنجاح رئيسٍ للجمهورية يُعتبر حَكماً وهو ليس بحاكمٍ ليعالج الازمات المضاعَفة الجوانب خاصة اثناء المآزق الكبرى. فالابصار متجهة إليه ( اي رئيس الجمهورية ) للمساهمة بإجتياز الصعوبات والمحن، على اعتباره الحكم ليبادر بجمع المرجعيات المختصة لتسهم بقرارات تُرسي هذا العيش المشترك كونه منتخب بالتوافق او بالاجماع. ولكنه واقعياً لا يملك صلاحيات تمكّنه من ذلك ... وهنا تكمن التعقيدات، حيث هو غير قادرٍ على القيام بهذا الدور لأنه ليس بحاكم، كونه أشبه بالقاضي دون مطرقة . إلا أن الامور تزداد تفاقماً من جراء المواد الدستورية (المادة17 والمواد من 49 الى 63 ) التي تكرر دائماً المقولة "بالاتفاق مع... رئيس الوزراء او الحكومة" في مجمل اجراءات وقرارات السلطة التنفيذية.

تعريف بالمؤتمر
الفصل الأول: الجلسة الافتتاحية
الفقرة الأولى: كلمة العميد د. كميل حبيب
الفقرة الثانية : كلمة رئيس المجلس الدستوري د. عصام سليمان
الفقرة الثالثة: كلمة رئيس الجامعة اللبنانية د. عدنان السيد حسين
الفصل الثاني: الجلسة الاولى: طبيعة النظام السياسي اللبناني
الفقرة الأولى: مداخلة رئيس الجلسة معالي الوزير د. سليم جريصاتي
الفقرة الثانية: مداخلة د. أحلام بيضون
الفقرة الثالثة: مداخلة د. سيمون سلامة
الفقرة الرابعة: مداخلة د. صالح طليس
الفقرة الخامسة: مداخلة د. خالد الخير
الفصل الثالث:وقائع الجلسة الثانية: رئيس الجمهورية في النظام اللبناني
الفقرة الأولى: مداخلة رئيس الجلسة د. زهير شكر
الفقرة الثانية: مداخلة المحامي ميشال قليموس
الفقرة الثالثة: مداخلة د.ماري تريز عقل
الفقرة الرابعة: مداخلة د. طوني عطاالله
الفقرة الخامسة: مداخلة د. موسى ابراهيم
الفقرة السادسة: مداخلة د. حسان الأشمر
الفصل الرابع:وقائع الجلسة الثالثة: رئيس الجمهورية ومأزق الحياة السياسية
الفقرة الأولى: مداخلة رئيس الجلسة معالي د. خالد قباني
الفقرة الثانية: مداخلة د. عقل عقل
الفقرة الثالثة: مداخلة د. محمد عيسى عبدالله
الفقرة الرابعة: مداخلة د. البير رحمه
الفقرة الخامسة: مداخلة د. وسيم منصوري
الفصل الخامس: وقائع الجلسة الرابعة: رئيس الجمهورية واحتمالات الخروج من المأزق
الفقرة الأولى: مداخلة رئيس الجلسة النائب غسان مخيبر
الفقرة الثانية: مداخلة د. اوجيني تنوري
الفقرة الثالثة: مداخلة د. حسين عبيد
الفقرة الرابعة: مداخلة أ. محمد حيدر
الفقرة الخامسة: مداخلة د. جورج يزبك
الفصل السادس: مشاركات من خارج المؤتمر
الفقرة الأولى: مشاركة د. انطوان سعد
الفقرة الثانية: مشاركة د. جوزاف عيسى
الفصل السابع: خلاصة آراء المشاركين في المؤتمر
توصيات
للاتصال بالكليات
مجلة الجامعة اللبنانية
المشاريع الخارجية
شركاء
روابط مفيدة
المواصفات الفنية للتجهيزات واللوازم
بريد إلكتروني
المسؤولون عن المحتوى
مساعدة الكترونية
شروط التسجيل العامة
إنضموا الينا


جميع الحقوق محفوظة © 2024 | الجامعة اللبنانية